مجموعة مؤلفين

512

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

فالمرتبة الأولى : هي الكنز المخفي المشار إليه بقوله في الحديث القدسي كما ذكره حضرة الشيخ رضي اللّه عنه وغيره : « كنت كنزا مخفيا » « 1 » .

--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 173 ) . وقال الشيخ العطار : وفي رواية أخرى : « فبي عرفوني » . فعبّر في هذا الحديث عن الذات البحت بالكنز بجامع النفاسة والاختفاء ، وعن هذا التعيّن الأول بالعلم الذاتي بقوله : « فبي عرفوني » ؛ لأن علمه تعالى عين ذاته ، وإنما كان التعيين الأول بالعلم الذاتي ؛ لأنه أقدم الصفات ، مع أن علم الشيء بنفسه من ضرورياته ، على أن علمه بذاته تعالى يستلزم العلم بسائر كمالاته فافهم ، نعم صفة الحياة مقدمة على العلم تقدّم الشرط على المشروط ؛ إذ من شأن العالم أن يكون حيّا ، لكن القصد للمشروط ، فكان أشرف الكل وأقدمها ، لا يقال علمه بذاته تعالى يقتضي الإحاطة بكمالاته ، وكمالاته لا يحاط بها لعدم تناهيا ، فهو تعالى لا يعلم ذاته لأنا نقول : العلم الذي يقتضي الإحاطة هو الحصولي لا الحضوري ، على أن علمه بذاته عين ذاته ، فلا إيراد ، وصورة هذا التعيّن الأول هو التجلّي الذاتي الأول : أي التجلي بصورة هذا التعيين الذاتي ، فتجلّى تعالى لذاته بذاته في ذاته ، فحصل علم وعالم ومعلوم ، ووجد الذات نفسه من غير توهّم سبق خفاء واستتارا ، بل ذلك مجرد اعتبار لا حقيقة ؛ فإن الأمر كائن لا محالة ، وهذه الثلاثة الحاصلة من هذا التجلي : أعني العلم والعالم والمعلوم . وإن شئت قلت : المتجلي والمتجلى فيه والمتجلي له هو شيء واحد ذاتا مختلف اعتبارا . وترجع هذه الثلاثة إلى شيء واحد ، وهو الذات البحت ، قبل اعتبار هذا التعين والتجلي الذاتيين ، فإن مرتبة الأحدية المنطوية على كل شيء تنفي التعدد والتغير لذاتها ، وقد بقي مرتبة واعتبار ثالث للوجود ، وهو ألا يأخذ بشرط شيء ، ولا بشرط لا شيء ، ويسمّى الذات بهذا الاعتبار بالهوية السارية في جميع الموجودات ، وبقي اعتبارات متداخلة فيما ذكرناه من المراتب ، وسيأتي التعرض لها إن شاء اللّه تعالى . وقد جعل العارف الفرغاني في مقدمته على شرحه لتائية سيدي عمر بن الفارض أول تعيّن تعيّن به الحق تعالى هو الوحدة الذاتية : أي غير الزائدة على الذات الأقدس ، بمعنى أن ما ينسب إلى -